الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

280

تفسير روح البيان

عليه صاحبه بالبطر وإذا ابليناه قابله بالضجر بل وإذا أنعمنا عليه أعجب بنفسه فتكبر مختالا في زهوه لا يشكر ربه ولا يذكر فضله ويشتغل بالنعمة عن المنعم ويتباعد عن بساط طاعته فكالمستغنى عنايهيم على وجهه ( قال الحافظ ) ببال وپر مرو از ره كه تير پرتابى * هوا كرفت زماني ولى بخاك نشست وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ اى إذا مس هذا الإنسان المعرض المتكبر جنس الشر كالبلاء والمحنة وانما جيىء بلفظ الماضي وإذا لأن المراد الشر المطلق الذي حصوله مقطوع به فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ اى فهو ذو دعاء كثير كما يقال أطال فلان الكلام والدعاء واعرض اى أكثر فهو مستعار مماله عرض متسع للاشعار بكثرته فان العريض يكون ذا اجزاء كثيرة وامتداد فمعنى الاتساع يؤخذ من تنكير عريض فإنه يدل على التعظيم ومعنى الامتداد يؤخذ من معنى الطول اللازم للعرض وهواي عريض أبلغ من طويل إذا لطون أطول الامتدادين فإذا كان عرضه كذلك اى متسعا فما ظنك بطوله ولعن شأن بعض غير البعض الذي حكى عنه اليأس والقنوط إذ اليأس والقنوط ينافيان الدعاء لأنه فرع الطمع والرجاء أو شأن الكل في بعض الأوقات وقيل قنوط من الصنم دعاء للّه أو قنوط بالقلب ذعاء باللسان قُلْ أَ رَأَيْتُمْ اى أخبروني لأن الرؤية سبب للاخبار إِنْ كانَ اى القرآن مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ من غير نظرو اتباع دليل مع تعاضد موجبات الايمان به مِنْ استفهام أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقاقٍ بَعِيدٍ اى من أضل منكم فوضع الموصول موضع الضمير شرحا لحالهم وتعليلا لمزيد ضلالهم وخلافهم بأنه لكونهم في شقاق بعيد فان من كفر بما نزل من عند اللّه بان قال أساطير الأولين ونحوه فقد كان مشاقا للّه اى معاديا ومخالفا له خلافا بعيدا عن الوفاق ومعاداة بعيدة عن الموالاة ولا شك أن من كان كذا فهو في غاية الضلال وفي الآية إشارة إلى أن كل بلاء وعناء ونعمة ورحمة ومضرة ومسرة ينزل بالعبد فهو من عند اللّه فان استقبله بالتسليم والرضى صابرا شاكرا للمولى في الشدة الرخاء والسراء والضراء فهو من المهتدين المقربين وان استقبله بالكفر والجزع بالخذلان فهو من الأشقياء المبعدين المضلين وفي الحديث القدسي إذا وجهت إلى عبد من عبيدي مصيبة في بدنه أو ماله أو ولده ثم استقبل ذلك بصبر جميل استحييت منه يوم القيامة ان انصب له ميزانا وانشر له ديوانا وفي الحديث إذا أحب اللّه عبدا ابتلاه إذا أحبه حبا شديدا افتناه فان صبر ورضى اجتباه قيل يا رسول اللّه وما افتناؤه قال إن لا يبقى له مالا ولا ولدا قال بعض الكبار النعمة توجب الاعراض كما قال اللّه تعالى وإذا أنعمنا على الإنسان إلخ ومس الضر يوجب الإقبال على اللّه كما قال اللّه تعالى وإذا مسه الشر إلخ فاللّه تعالى رحيم على العبد بدفع النعمة والصحة عنه لأنها مظنة الاعراض والبلاء للولاء كاللهب للذهب فالبلاء كالنار فكما أن النار لا تبقى من الحطب شيئا الا وأحرقته فكذا البلاء لا يبقى من ضر الوجود شيئا فالطريق إلى اللّه على جادة المحنة أقرب من جادة المنحة إذ الأنبياء والأولياء جاؤوا وذهبوا من طريق البلاء وقد ثبت أن النار لا ترتفع من الدنيا ابدا فكيف يؤمل العاقل الراحة في الدنيا فهي دار محنة وقد ورد الدنيا سجن المؤمن فالمؤمن لا يستريح في الدنيا ولا يخلو من قلة أو علة أو ذلة وله راحة عظمى في الآخرة والكافر خاسر في الدنيا والآخرة فعلى العبد ان يمشى على الصراط السوي